الفرجات يكتب إعادة إحياء العرعر في البترا: استثمار بيئي طويل الأمد في المناخ والتنوع الحيوي والتراث، ونصيحة ذهبية
إعادة إحياء العرعر في البترا: استثمار بيئي طويل الأمد في المناخ والتنوع الحيوي والتراث، ونصيحة ذهبية
كتب أ.د. محمد الفرجات
أود هنا أن أُشيد بجهود سلطة إقليم البترا التنموي السياحي، وأن أتوقف عند مبادرتهم الأخيرة لإعادة زراعة الأشجار الأصيلة، وعلى رأسها شجر العرعر، في وادي موسى والبترا، وهي خطوة بالغة الأهمية علميًا وبيئيًا، وتعبّر عن انتقال حقيقي من إدارة الموقع التراثي بمنطق الحماية فقط، إلى إدارته بمنطق الاستدامة البيئية والمرونة المناخية.
ففي خطوة نوعية تُعد الأولى من نوعها على مستوى المملكة، أعلنت سلطة إقليم البترا التنموي السياحي عن إطلاق مشروع إعادة توطين شجر العرعر في موطنه الأصلي داخل الإقليم بالتعاون مع الاتحاد الدولي لحماية الطبيعة (IUCN)، عبر تأهيل مساحة تبلغ 223 دونمًا وإقامة المرحلة الأولى بزراعة 700 شجرة.
فالعرعر ليس شجرة عادية أو خيارًا تجميليًا، بل هو مكوّن بنيوي في النظام البيئي الجبلي للبترا، ووجوده تاريخيًا هو ما ساهم في استقرار التربة، وتنظيم المياه، وبناء شبكة معقدة من العلاقات البيئية التي فقدت توازنها خلال العقود الماضية بفعل الجفاف، والاحتطاب، والتوسع العمراني، وتغير المناخ.
العرعر كنقطة ارتكاز لإعادة تأهيل النظام البيئي:
يمتلك شجر العرعر خصائص بيئية فريدة تجعله نوعًا مفتاحيًا (Keystone Species) في بيئته الطبيعية، أي أن غيابه يؤدي إلى انهيارات متسلسلة في وظائف النظام البيئي، بينما تؤدي عودته إلى إعادة تشغيل تلك الوظائف تدريجيًا.
1. استعادة أهلية الموائل (Habitat Suitability)
إعادة زراعة العرعر تعني:
إعادة بناء الظل الطبيعي الذي يخفف الإجهاد الحراري على التربة والكائنات الدقيقة.
تحسين رطوبة التربة عبر تقليل التبخر السطحي.
خلق بيئات دقيقة (Microhabitats) تسمح بعودة النباتات العشبية والأصناف المرافقة التي اندثرت.
وبذلك، تتحول المنطقة من أرض متدهورة إلى موئل قابل للحياة والاستمرار.
الآليات المناخية: كيف يحد العرعر من آثار التغير المناخي؟
2. العرعر كمخزن كربوني طبيعي
العرعر من الأشجار بطيئة النمو وطويلة العمر، ما يجعله:
قادرًا على احتجاز الكربون لفترات زمنية طويلة في الكتلة الحيوية والجذور والتربة.
مساهمًا في خفض البصمة الكربونية المحلية للنظام البيئي.
وهذا مهم خصوصًا في مناطق سياحية حساسة مثل البترا، حيث يمكن دمج هذه المبادرات مستقبلًا ضمن برامج قياس وتعويض الكربون.
3. التكيف مع الجفاف والتطرف المناخي
العرعر متأقلم تطوريًا مع:
شح المياه
التذبذب الحراري الكبير
التربة الفقيرة
وبالتالي فإن استعادته تعني تعزيز مرونة النظام البيئي (Ecosystem Resilience) في مواجهة موجات الحر، والجفاف الطويل، والأمطار الغزيرة المفاجئة.
الآليات الهيدرولوجية: العرعر والماء
4. تنظيم الجريان السطحي وتقليل مخاطر السيول
جذور العرعر العميقة والمتشعبة:
تثبّت التربة على المنحدرات.
تزيد من قدرة التربة على امتصاص مياه الأمطار بدل تحولها إلى جريان مدمر.
تخفف من حمل الرواسب التي تهدد الأودية والبنية التحتية.
وهذا يعيد التوازن الطبيعي بين المطر والتربة، ويحد من مخاطر السيول والانجراف، وهي من أبرز تحديات إقليم البترا.
التنوع الحيوي: إعادة بناء الشبكات الغذائية
5. تعزيز السلاسل والشبكات الغذائية
عودة العرعر تعني عودة:
الطيور التي تعتمد عليه للتعشيش.
الحشرات الملقحة.
الكائنات الصغيرة التي تشكل قاعدة الهرم الغذائي.
وهذا يؤدي إلى:
تعزيز الاستقرار السكاني للأنواع.
إعادة تشغيل الشبكات الغذائية الطبيعية بدل الأنظمة الهشة والمجزأة.
المراعي الطبيعية والأمن الغذائي
6. تحسين جودة المراعي والغطاء العشبي
الظل والرطوبة الناتجان عن العرعر يسمحان بعودة نباتات رعوية محلية أكثر جودة، ما يساهم في:
تحسين الإنتاج الرعوي.
تقليل الضغط على الأراضي الهشة.
دعم سبل عيش المجتمعات المحلية بشكل غير مباشر.
وهذا الربط بين التشجير والأمن الغذائي غالبًا ما يُغفل، رغم أنه أحد أهم مخرجاته بعيدة المدى.
الصحة البيئية والصحة السكانية
7. بيئة صحية تعني مجتمعًا أكثر صحة
تعزيز الغطاء النباتي ينعكس على:
جودة الهواء.
خفض الغبار والعواصف الترابية.
تحسين المشهد الطبيعي والراحة النفسية.
وهي عناصر ترتبط بشكل مباشر بـ الصحة العامة والرفاه الاجتماعي، خصوصًا في المناطق السياحية التي تعتمد على الإنسان والطبيعة معًا.
استدامة التراث: حماية الحجر عبر حماية الشجر
8. التراث الطبيعي كحارس للتراث الثقافي
لا يمكن فصل حماية آثار البترا عن حماية محيطها البيئي؛ فاستقرار التربة، وتنظيم المياه، وتخفيف التعرية كلها عوامل:
تقلل من تدهور الواجهات الصخرية.
تحمي الموقع من أخطار السيول والتشققات.
تحافظ على المشهد الثقافي التاريخي المتكامل.
وتعزز دواعي السياحة البيئية في المنطقة.
بذلك، تصبح زراعة العرعر جزءًا من استراتيجية صون التراث العالمي، لا مجرد نشاط بيئي جانبي.
إن مبادرة سلطة إقليم البترا في إعادة زراعة العرعر تمثل استثمارًا طويل الأمد في المناخ، والتنوع الحيوي، والمجتمع، والتراث.
إذن هي مبادرة تعيد الاعتبار للطبيعة بوصفها حلًا علميًا ذكيًا، وتضع البترا في موقع ريادي كنموذج إقليمي لكيفية توظيف الحلول القائمة على الطبيعة (Nature-Based Solutions) في إدارة المواقع التراثية والسياحية.
النصيحة الذهبية:
الأهم من كل ذلك هو الاستفادة من دروس تجربة سابقة فشلت للأسف، حيث أن الأشجار التي تم زراعتها على سفوح الجبال المطلة على المحمية الأثرية، تم تزويدها بشبكة ري، وما أن توقف المشروع والري حتى جفت وتم خسارة كل المشروع.
كما وأنها لم يسمح لها بالتكيف مع ظروف الجفاف، ولم تمتد جذورها عميقا لتصل طبقات أكثر رطوبة من التربة.
وهنا ننصح القائمين على المشروع بالسماح لهذه الأشجار بالتكيف مع الطبيعة، وإتباع الآليات العلمية والعملية الخاصة بذلك.




