ريم الرواشدة تكتب: الناقل الوطني والدبلوماسية المائية يرسمان ملامح إستراتيجية أردنية مستقبلية

ريم الرواشدة تكتب: الناقل الوطني والدبلوماسية المائية يرسمان ملامح إستراتيجية أردنية مستقبلية

الناقل الوطني والدبلوماسية المائية يرسمان ملامح إستراتيجية أردنية مستقبلية

كتبت – ريم الرواشدة
في دولة تُصنف باستمرار ضمن الأفقر مائيًا في العالم، لم يعد ملف المياه في الأردن مجرد قضية خدمية، بل تحوّل إلى ركيزة من ركائز الأمن الوطني.
حدثان مائيان بالغا الاهمية شهدها قطاع المياه هذا الاسبوع، وتسيّدا المشهد محليا : إطلاق مشروع الناقل الوطني لتحلية مياه خليج العقبة والحراك السياسي - المائي مع سوريا، يكشفان أن الدولة تعيد صياغة استراتيجيتها المائية على أسس جديدة تتجاوز الحلول التقليدية.
 
المشروع الوطني للتحلية، بطاقة تصل إلى 300 مليون متر مكعب سنويًا، لا يمكن قراءته كمجرد استثمار في البنية التحتية، بل هو قرار سياسي بامتياز.
إذ أن دولتنا، التي اعتمدت على مصادر محدودة مثل حوض الديسي، تدرك أن استمرار استنزاف المياه الجوفية لم يعد خيارًا ممكنًا.
ومن هنا، يبدو المشروع كتحول نحو “تصنيع المياه”، أي إنتاجها عبر التكنولوجيا بدل انتظارها من الطبيعة. هذا التحول يعكس إدراكًا عميقًا بأن التغير المناخي وتقلبات الهطول المطري قد جعلا من الاعتماد على المصادر التقليدية مخاطرة استراتيجية.
لكن هذا المسار، رغم ما يقدمه من حلول واعدة لتخفيف أزمة المياه، يظل مرتبطًا بجوانب أوسع من مجرد الجانب التقني، كبناء منظومات تشغيل وصيانة فعّالة، وضمان إدارة رشيدة للاستهلاك، مع ضرورة استمرار حملة حماية مصادر المياه من الاعتداءات و السرقات.
و لابد من عدم إغفال المياه الجوفية كمصدر أساسي مكمل، إذ إن الإفراط في ضخها يؤدي إلى تراجع منسوبها وتدهور جودتها. لذلك فإن التعامل مع أزمة المياه لا يقتصر على إيجاد مصادر جديدة، بل يمتد إلى تحقيق توازن دقيق بين الاعتماد على المياه المحلاة وحماية المخزون الجوفي، بما يضمن استدامة الموارد المائية للأجيال القادمة.
في المقابل، لا يزال البعد الإقليمي حاضرًا بقوة، إذ أن الحراك مع سوريا يعكس محاولة لإعادة تفعيل التعاون في إدارة الموارد المشتركة، خاصة في ظل تاريخ طويل من التحديات المرتبطة بالمياه العابرة للحدود،مع عدم إغفال أن هذا المسار يبقى رهينًا لتعقيدات السياسة الإقليمية، حيث لا يمكن فصل المياه عن السياق الأوسع من التوترات والتحولات في المنطقة.
 
ما يتشكل اليوم هو نموذج مزدوج: اعتماد متزايد على الذات من خلال مشاريع كبرى، يقابله استمرار الحاجة إلى الدبلوماسية لضمان استقرار الموارد المشتركة.
هذا النموذج يعكس براغماتية سياسية، لكنه في الوقت ذاته يكشف هشاشة كامنة، إذ إن أي اختلال في أحد المسارين - اقتصاديًا أو سياسيًا- قد يعيد الأزمة إلى الواجهة.
في المحصلة، لا يبدو أن الأردن يتجه نحو “وفرة مائية”، بل نحو إدارة دقيقة لندرة مزمنة، وهنا يكمن التحدي الحقيقي: ليس فقط في توفير المياه، بل في بناء منظومة سياسية واقتصادية قادرة على التعامل مع هذا المورد بوصفه عنصرًا استراتيجيًا طويل الأمد.
والمياه أردنيا، لم تعد مجرد مورد طبيعي بل أصبحت معيارًا لفعالية الدولة وقدرتها على التكيف مع عالم يزداد جفافًا وتعقيدًا.