العبادي تكتب: أدب الهوية ورواية (حكي القرايا) لرمضان الرواشدة
كتبت : منال العبادي
مابين الإنثروبولوجبا والإنثوغرافيا كيف بنى رمضان الرواشدة الخط السردي لروايته (حكي القرايا).
وهل حذا الرواشدة أعمال أنثروبولوجية توثيقية (مثل أعمال كلود ليفي شتراوس) كما في مؤلفاته في هذا المجال الحياة العائلية والاجتماعية لهنود النامبيكوارا (1948)، البنى الأولية للقرابة (1949). · العرق والتاريخ (1952)، مدارات حزينة (1955).
رواية حكي القرايا للكاتب رمضان الرواشدة
رواية نقلت المحكي الأردني من الشفهية إلى التوثيقية.
تميزت الروايا بعتبتها
كما ترمز إلى المجتمعات المهمَّشة التي تُحكَى قصصها شفويًا، بعيدًا عن التاريخ الرسمي.
وقدتعكس صورةالتجمعات العشائرية المترابطة جغرافيًا واجتماعيًا (كل قرية تمثل عشيرة أو حلفًا عشائريًا).
كما أن للكلمة دلالة تراثية فالكلمة نفسها تُستخدم في التراث الشفوي الأردني، مما يعكس أصالة الرواية في توثيق اللهجة والمفردات المحلية.
وإن اختيار العنوان "حكي القرايا"(بدلاً من "حكي القرى") يُؤكِّد على الهُوية الجنوبية وكان الانزياح عن الفصحى مقصودا لإضفاء الواقعية شعبية.
كما أن مدلول كلمة "القَرَايَا" تحمل إيحاءات مكانية واجتماعية خاصة ،فهي تُذكر بـ القرى النائية ذات الطابع العشائري (لا المدن الكبرى).
كما تُشير إلى الحكايات الشعبية (فـ"الحكي" له دلالة شفوية غير رسمية)
"القرايا" في العنوان ليست مجرد قرى جغرافية، بل عوالم كاملة من الذاكرة، الصراعات، والهويةالتي يحاول الرواشدة توثيقها. اختيار الكلمة يعكس رغبةً في التمييز بين التاريخ الرسمي وتاريخ المهمشين المنقول شفويا " الذين عاشوا في هذه القرى.
قد يُقرأ العنوان كنوع من التساؤل عن هوية هذه القرى في ظل التحضر والحداثة، مما يجعله عنوانًا نقديًا للمجتمع نفسه.
استطاع الرواشدة في "حكي القرايا"أن يدمج بين المنهج الإنثروبولوجي (كإطار تحليلي) والإنثوغرافي (كأداة وصفية) لبناء عالم روائي غني بالتفاصيل الثقافية. أما العنوان، فهو يعكس ثنائية التراث والحداثة، ويُقدّم النص كجسر بين السرد الأدبي والتوثيق الأنثروبولوجي.
تقدم الرواية سرداً غنياً لتاريخ الجنوب الأردني من خلال حكايات العشائر والصراعات والثورات، مثل ثورة الكرك ضد الأتراك، مما يعكس الهوية الثقافية والتاريخية للمنطقة.
قد يكون التركيز على التفاصيل العشائرية واللهجة المحلية عائقاً أمام القارئ غير الملم بالثقافة الأردنية، مما يحد من انتشار الرواية على نطاق أوسع.
ومن شخصيات مثل منصور الأعمى وراشد وعلياء الضمور تمتلك عمقاً نفسياً وتجسد قيم الشجاعة والكرامة، مما يجعلها مؤثرة وواقعية.
استخدام الرواشدة اللهجة المحلية والأغاني الشعبية يضيف أصالة ويغوص في التراث الشفوي، مما يعزز الانغماس في البيئة الزمانية والمكانية.
وقد الإفراط في استخدام المصطلحات المحلية دون تفسير قد يصعب الفهم على غير المتخصصين، كما أن الأسلوب يتأرجح بين السرد التاريخي والحكائي أحياناً. إن تقسيم الرواية إلى فصول قصيرة يركز كل منها على حدث أو شخصية يساعد في تسريع وتيرة السرد. المشاهد الحربية مثل "صباح الدعجان" مكتوبة بحيوية وتفصيل مثير.
كانت الرواية توثيقا لفترات مهمة مثل الغزو المصري والحكم العثماني وثورة العرب حيث يقدم رؤية نادرة لتاريخ الأردن من منظور محلي. قد يتطلب فهم بعض الأحداث معرفة مسبقة بالتاريخ العشائري، مما يحد من إمكانية الوصول إلى جمهور أوسع.
نعم، رواية "حكي القرايا" لرمضان الرواشدة تُعتبر إلى حد كبير توثيقًا للحكايا الشفوية للجنوب الأردني، لكنها ليست مجرد تسجيل أنثروبولوجي جاف، بل تحويلها إلى عمل روائي فني يحافظ على روح المرويات الشعبية مع إضفاء البعد الأدبي. إليك الأدلة على ذلك:
اعتمادها على الموروث الشفوي
فالرواية تستند إلى حكايات متداولة في الجنوب الأردني، مثل "حلف القرايا" (الصراع بين العشائر وجماعات النهب)، و"ثورة الكرك" ضد الأتراك، و"مقتل منصور الأعمى".
وكان استخدام الأغاني الشعبية (مثل أغاني الحصاد والأعراس) والأمثال يعكس نقلًا مباشرًا من الذاكرة الجماعية، كما في مشهد الدحية والسامر (ص 11-12).
وكان السرد يعتمد على الخطية الزمنية البسيطة (بداية، وسط، نهاية) مع حبكات مغلقة، وهو أسلوب شائع في الحكايات الشفوية.
ومزج بها شخصيات نمطية أحيانًا (البطل الشجاع، المرأة الصامدة مثل علياء الضمور، الخائن الغادر) تشبه تلك في الملاحم الشعبية.
الرواية تحتفظ باللهجة الجنوبية الأردنية (مثل: "إيشن نعمل"، "النية ولا الدنية")، مما يجعلها أقرب إلى نقل الواقع الشفوي بدقة.
- لكن الكاتب يُهذّب اللغة أحيانًا لتناسب القارئ غير المحلي، موازنًا بين الأصالة والانتشار.
كما عملت الرواية على توثيق عادات مثل "العزومات العشائرية" (ص 78)، و"الثأر" (ص 47)، و"الاحتماء بالقلاع" (ص 32) يعكس معرفة عميقة بالحياة اليومية في القرن الـ19.
كما ذكر أماكن حقيقية (مثل قلعة الكرك، وادي موسى، معان) يعزز مصداقية الرواية كتوثيق جغرافي.
دمج الكاتب بين الخيال مع الواقع
مثل بعض العناصر ("حوريات ذهب القلعة" في الفصل 9) تُظهر كيف تتداخل الأسطورة مع التاريخ في المرويات الشفوية، حيث يضيف الرواي الشعبي لمساته الخيالية على الوقائع.
ما الفرق بين التوثيق والأدب؟!
- لو كانت الرواية توثيقًا خالصًا، لاعتمدت على شهادات مباشرة أو نصوص تاريخية. لكن الرواشدة يُعيد تشكيل الحكايا عبر:
- تطوير الشخصيات نفسيًا (مثل صراع منصور الأعمى بين الزواج والمسؤولية العشائرية).
وإضافة حبكات درامية (مثل مؤامرة "الدعجان" ضد منصور).
اذا تعتبر
الرواية توثيق أدبي للحكايا الشفوية، لا أنثروبولوجي. فهي تحفظ التراث عبر إعادة صياغته فنياً، مما يجعله حياً أمام قارئ اليوم. هذا النهج يشبه أعمال مثل "الزيني بركات" لجمال الغيطاني (توثيق تاريخي بأدوات روائية)، لكن بخصوصية أردنية.
"حكي القرايا" نجحت في أن تكون جسرًا بين الماضي الشفوي والحاضر الأدبي.
الرواية متميزة جدًا في توظيف المنهجين الأنثروبولوجي والأنثوغرافي، والعنوان مثالي لدوره في تجسيد روح النص.
ومن الأمثلة النصية المفصلة مع البناء الفني
إن مشهد "صباح الدعجان" (ص 47–50)
"أقسم الأربعة أن يقتلوا مئة رجل من جماعة الدعجان... فقبلوا خمسة منهم بالسيوف، وهرب الباقون إلى الأودية، وصار ذلك اليوم يُسمى 'صباح الدعجان'".
التحليل الأنثروبولوجي يُظهر الثأر كـ"عدالة عشائرية" تُنظِّم العلاقات بين الجماعات.
أما التحليل الأدبي يبين التكثيف الدرامي في العبارة الأخيرة يُحوِّل الحدث إلى أسطورة محلية (تأريخ الزمن بالحدث بدل التقويم).
وكان حوار علياء الضمور (ص 28)
"قالت علياء لزوجها: 'النية ولا الدنية... كيف بدنا نسلم الدخيل؟!'.
تحليله الثقافي كان في مصطلح "المنية ولا الدنية" (الشرف أو الموت) يُجسّد ثقافة الشرف البدوية.
وتحليله الفني أبرزه الحوار القصير قوة المرأة في صنع القرار رغم هيمنة الذكورية.
تعدد الأصوات كان واضحا في الرواية
كالراوي العليم الذي يروي الأحداث التاريخية بموضوعية (مثل غزو إبراهيم باشا).
والصوت الداخلي للشخصيات في نص
"فكر منصور الأعمى: 'لا يُعقل أن تضع هيبتي بين العشائر'" (ص 14).
الذي يُظهر التناقض بين الواجب العشائري والمشاعر الفردية.
وكان هناك بصمة للتناص مع التراث الشفوي مثل الأغاني الشعبية
"هاتونا الحاشي هاتونا، باللي خذيت حويشينا" (ص 12). تُستخدم كـأداة سردية تربط الماضي بالحاضر.
وكانت الرمزية كالقلعة ليست مجرد مبنى، بل رمز لـ السلطة (ص 33: "القلعة التي يناها بلدوين الأول").
كيف سيفهم القارئ غير الأردني النص؟ واتوقع أنها من التحديات
حيث امتلأت الرواية بالمصطلحات المحلية، مثل "الدعجان" (عصابات نهب)،"الهيشي" (تبغ محلي).
والسياق التاريخي مثل دور إبراهيم باشا العثماني.
فكان لابد من هوامش تفسيرية
- مثال: شرح مصطلح "المنية ولا الدنية" في الهامش: "عبارة تعكس ثقافة الشرف في المجتمعات البدوية، حيث يُفضل الموت على فقدان الكرامة".
او عمل خريطة جغرافية، توضح مواقع القرى (الكرك، الطفيلة) لربط الأحداث بالمكان.
وكان لابد من مقدمة تاريخية تُلخص الصراع العثماني-العشائري في الجنوب الأردني.
مثال تطبيقي: تحليل مشهد "ذهب القلعة" (ص 55–59)
"رأى راشد حوريات يهبطن من القلعة... وخيطًا من الذهب يتبعهن".
- التحليل الأنثروبولوجي الجمع بين المقدس (الحوريات) والمادي (الذهب) يعكس الاعتقاد بـ"البركة" في الثقافة الشعبية. والتحليل الأدبي الخيال هنا ليس هروبًا من الواقع، بل تعبيرًا عن رغبة العشائر في الثروة كتعويض عن الفقر.
لذلك كان لابد من دليل للقارئ غير المحلي بإضافة هامش"الحوريات في الفلكلور الأردني ترمز للكنوز المدفونة التي يحرسها الجن"
لذلك تقدم الرواية تقدم مادة غنية للنقد الأنثروبولوجي والأدبي معًا، لكنها تحتاج إلى: تفكيك النصوص بدقة أكبر.
وشرح السياقاتالغريبة عن القارئ غير المحلي.وربط التقنيات الفنية (مثل تعدد الأصوات) بالدلالات الثقافية.
هذا النهج يحوِّل الرواية من مجرد حكايات شعبية إلى نص عالمي قادر على الحوار مع ثقافات أخرى (المثاقفة )
وهذه الرواية تصلح لأن تكون مادة للدراسات النقدية الثقافية، خاصة في سياق أدب المكان والهوية في الأردن والمنطقة العربية.
في الختام هل كانت رواية "حكي القرايا نموذج لأدب الهوية الذي يحاور العالمية من خصوصيته المحلية"؟
وهل قدمت نموذجًا يُحاور العالمية من خلال خصوصيته، مشابهًا لأعمال مثل "واحة الغروب" لبهاء طاهر (توثيق صعيد مصر) أو "ذاكرة الجسد" لأحلام مستغانمي (الهوية الجزائرية).
وهل انها تحتاج إلى مزيد من "التدويل" عبر هوامش تفسيرية أو مقدمة تاريخية، كما فعل نجيب محفوظ في "الحرافيش" عند توثيق حارة مصرية.




