الرواشدة تكتب: خطوة تنقل المملكة من إدارة أزمة المياه إلى هندسة تحالفات مائية طويلة الأمد
بين الكلفة والسيادة: هل يشكّل خط ناقل للمياه المحلاة بين المملكة و"السعودية" خياراً استراتيجياً قابلاً للتنفيذ؟
خطوة تنقل المملكة من إدارة أزمة المياه إلى هندسة تحالفات مائية طويلة الأمد
بين الكلفة والسيادة: هل يشكّل خط ناقل للمياه المحلاة بين المملكة و"السعودية" خياراً استراتيجياً قابلاً للتنفيذ؟
كتبت - ريم الرواشدة
في زمن شحّ الموارد، قد لا تكون الجرأة خياراً… بل ضرورة، إذ أن وقف شراء المياه من الكيان المحتل، لا يجب أن يُقرأ كأزمة، بل كفرصة لإعادة هندسة الأمن المائي الأردني ضمن إطار عربي أكثر استقراراً، وأكثر انسجاماً مع أولويات السيادة والمصلحة الوطنية.
ولا يعني التوقف عن شراء المياه، أن الأردن بات بلا خيارات، وفي ذات الوقت ليس بالضرورة أن يكون البديل الوحيد هو الضغط على المصادر الجوفية أو انتظار اكتمال المشاريع الاستراتيجية.
وبينما تمضي الحكومة قدماً في مشروع “الناقل الوطني”، يبرز سؤال استراتيجي: هل يمكن للأردن أن يؤسس شراكة مائية طويلة الأمد مع المملكة العربية السعودية عبر إنشاء خط ناقل للمياه المحلاة بين البلدين؟.
في مقابل إنهاء الاعتماد على شراء المياه من الكيان المحتل ، فإن البديل المنطقي إقليمياً هو التوجه جنوباً نحو المملكة العربية السعودية، لا بوصفه خياراً سياسياً انفعالياً، بل كخيار استراتيجي قابل للتنفيذ.
"السعودية" تمتلك واحدة من أكبر طاقات التحلية في العالم على البحر الأحمر، ويعاني الأردن من واحد من أعلى معدلات الفقر المائي عالمياً، وحاجة مائية مستقرة ومضمونة الطلب.
ذلك التباين يفتح الطريق أمام تكامل موضوعي: فائض إنتاج مقابل عجز مزمن. وهو ما يفتح الباب أمام صيغة واضحة: شراكة إنتاج ونقل طويلة الأمد، لا مجرد صفقة شراء سنوية.
بهذا يتحول الأردن من مستورد ظرفي إلى شريك في منظومة إقليمية، ويضمن تنويع مصادره بعيداً عن أي ارتهان سياسي.
الأهم أن هذا الخيار لا يتعارض مع مشروع الناقل الوطني، بل يمكن أن يكون مكمّلاً له أو مرحلياً إلى حين اكتمال طاقة التحلية المحلية، وهذا يعزز إدارة المياه الحديثة تقوم على تنويع المصادر، لا على مصدر واحد مهما كان.
وإذا افترضنا وجود قرار سياسي بالمضي في هذا الخيار، فإن الحل الأمثل لا يكون مجرد “شراء مياه”، بل تصميم منظومة إقليمية متكاملة تحقق الجدوى الاقتصادية والاستدامة الاستراتيجية، تتضمن ثلاثة محاور، اولها: خط ناقل مستقل عابر للحدود (وليس دمجاً مع الديسي) يبدأ من أقرب محطة تحلية سعودية على البحر الأحمر، ويتجه إلى نقطة ربط في جنوب الأردن، ثم يُضخ عبر الشبكة الوطنية.
إضافة لنموذج “الاستثمار مقابل التوريد” وبدلاً من عقد شراء تقليدي، يمكن تبني صيغة:استثمار أردني–سعودي مشترك في توسعة محطة تحلية قائمة، وتخصيص طاقة إنتاجية محددة للأردن بعقد طويل الأجل ، وتثبيت معادلة تسعير مرتبطة بكلفة الطاقة لا بالسوق الفوري.
بهذا يتحول الأردن من “مستورد” إلى “شريك في الإنتاج”، ما يقلل المخاطر السياسية والتجارية.
أما المحور الثالث يكون التكامل مع مشروع الناقل الوطني، و أن يكون الخط السعودي مكمّلاً احتياطياً لمشروع التحلية الوطني، أو حلاً مرحلياً حتى اكتمال طاقة التحلية المحلية.
بهذا يصبح لدى الأردن نموذج “تنويع المخاطر” المعتمد عالمياً في إدارة الأمن المائي، وسلة مصادر:تحلية محلية، مياه جوفية (الديسي) واستيراد إقليمي.
أما إذا أردنا بديلا سريعا قبل اكتمال أي مشروع خط ناقل مع السعودية (والذي قد يستغرق سنوات)، فالحلول يجب أن تكون قصيرة الأمد وقابلة للتنفيذ خلال 6–24 شهراً، لا مشاريع بنية تحتية كبرى.
تبدأ بتعظيم الاستفادة من مشروع التحلية الوطني، وتسريع التنفيذ المرحلي لمشروع التحلية المرتبط بخليج العقبة، وزيادة إعادة استخدام المياه المعالجة في الزراعة بدلاً من المياه العذبة، ما يوفركميات إضافية لمياه الشرب، وعدم إهمال تقليل الفاقد المائي في الشبكات (نسب الفاقد مرتفعة تاريخياً)، وتشديد الرقابة على الآبار غير المرخصة، و الاستفادة المؤقتة من المخزون الجوفي للمياه.
الخلاصة، لا يجب أن يُقرأ إنشاء خط ناقل بين البلدين كمجرد صفقة تجارية، بل كمشروع بنية تحتية إقليمي قد يفتح المجال مستقبلاً لربط شبكات المياه والطاقة، خصوصاً في ظل التوجهات السعودية الكبرى ضمن رؤية 2030، كما أن المشروع قد يعزز مفهوم “الأمن المائي العربي المشترك”، وهو مفهوم ظل نظرياً لعقود دون تطبيق عملي.




