الرواشدة تكتب: الناقل الوطني للمياه.. استثمار في الأمن المائي أم إختبار لاقتصاد الندرة في الأردن؟
الناقل الوطني للمياه.. استثمار في الأمن المائي أم إختبار لاقتصاد الندرة في الأردن؟
كتبت ريم الرواشدة
يأتي إعلان موافقة البنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية على تقديم قرض بقيمة 475 مليون دولار لتمويل مشروع الناقل الوطني للمياه في الأردن ليعيد طرح سؤال قديم متجدد: كيف يمكن لدولة تُعد من أفقر دول العالم مائياً أن تؤمّن احتياجاتها المائية في ظل الضغوط السكانية والتغير المناخي وتراجع الموارد الطبيعية.؟
المشروع، الذي تصل كلفته الإجمالية إلى نحو 6 مليارات دولار، يهدف إلى تحلية مياه البحر الأحمر في العقبة ونقلها عبر ناقل بطول يقارب 438 كيلومتراً إلى مختلف مناطق المملكة، بما يوفر نحو 300 مليون متر مكعب من المياه سنوياً بحلول عام 2030، أي ما يقارب 40% من احتياجات الأردن المائية.
بهذا المعنى، لا يمثل المشروع مجرد بنية تحتية جديدة، بل محاولة لإعادة رسم معادلة الأمن المائي في المملكة.
على مدى عقود، إعتمدت السياسات المائية محليا على إدارة الندرة عبر ترشيد الاستهلاك واستغلال الموارد المحدودة من المياه الجوفية والسطحية.
لكن التغيرات الديموغرافية والاقتصادية جعلت هذه المقاربة غير كافية. فالأردن لم يعد يواجه أزمة موسمية أو مؤقتة، بل فجوة هيكلية بين العرض والطلب على المياه.
هنا يأتي مشروع الناقل الوطني باعتباره تحولاً في الفلسفة المائية للدولة: الانتقال من مجرد إدارة الموارد المتاحة إلى صناعة المياه عبر التحلية.
وهي مقاربة تبنتها العديد من الدول التي تعاني شح الموارد المائية، لكنها في الوقت ذاته تفتح الباب أمام تحديات اقتصادية وبيئية طويلة الأمد.
التمويل الدولي وثقة المؤسسات
إن مشاركة مؤسسات تمويل دولية، وفي مقدمتها البنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية، إضافة إلى دعم من صندوق المناخ الأخضر (GCF) وكندا وفنلندا عبر صندوق HIPCA، تعكس مستوى من الثقة الدولية بقدرة الأردن على تنفيذ مشروع بهذا الحجم.
لكن هذه الثقة لا تلغي حقيقة أن المشروع يمثل التزاماً مالياً ضخماً لدولة تواجه ضغوطاً اقتصادية ومالية متزايدة. ولذلك فإن نجاحه لن يُقاس فقط بكمية المياه التي سينتجها، بل أيضاً بقدرته على تحقيق توازن بين الأمن المائي والاستدامة المالية.
الغلق المالي: اللحظة الحاسمة للمشروع
في الواقع، يقف المشروع اليوم عند مرحلة مفصلية تتمثل في إستكمال الغلق المالي، وهي المرحلة التي يتم فيها تثبيت جميع الترتيبات التمويلية النهائية مع الجهات المانحة والمستثمرين.
وتشير التصريحات الحكومية إلى أن المفاوضات ما تزال جارية لاستكمال هذه الإجراءات، مع توقع إنجازها قريباً، الأمر الذي سيفتح الباب لبدء التنفيذ الفعلي للمشروع على أرض الواقع.
وهذه المرحلة ليست مجرد إجراء مالي، بل تمثل الاختبار الحقيقي لجدية المشروع، إذ إن نجاحها يعني انتقال الناقل الوطني من مرحلة التخطيط والتصريحات إلى مرحلة التنفيذ الفعلي.
و للتعامل مع معضلة الطاقة، يتضمن المشروع إنشاء محطة طاقة شمسية بقدرة 281 ميغاواط لتغذية منظومة التحلية والنقل، في محاولة لخفض الكلفة البيئية والاقتصادية للطاقة.
وللتوفيق بين متطلبات التنمية والحفاظ على الأنظمة البيئية الحساسة، إعتمد المشروع حلولاً بيئية تهدف إلى حماية الشعاب المرجانية في خليج العقبة عبر سحب المياه من بحيرة شاطئية داخلية بدلاً من السحب المباشر من البحر.
غير أن التحدي الأكبر قد لا يكمن في بناء المشروع بقدر ما يكمن في إدارته واستدامته. فنجاح الناقل الوطني يعتمد على سياسات مائية موازية تشمل تقليل الفاقد في الشبكات، وخلق معادلة عادلة لأسعارالمياه، وتحسين كفاءة الاستخدام في الزراعة والصناعة.
فالمياه التي ستُنتج عبر التحلية ستكون أكثر كلفة من المصادر التقليدية، ما يعني أن إدارة الطلب على المياه ستبقى عاملاً حاسماً في ضمان استدامة المشروع.
بالمحصلة، يمكن النظر إلى مشروع الناقل الوطني باعتباره استثماراً اضطرارياً أكثر منه خياراً مريحاً. فالأردن لا يملك رفاهية الانتظار في ظل أزمة مائية تتفاقم عاماً بعد عام.
لكن في الوقت ذاته، يبقى المشروع اختباراً لقدرة الدولة على إدارة اقتصاد الندرة بذكاء: كيف يمكن تأمين المياه دون أن تتحول كلفتها إلى عبء اقتصادي طويل الأمد؟
الإجابة عن هذا السؤال لن تحدد فقط مستقبل قطاع المياه في الأردن، بل ستحدد أيضاً شكل العلاقة بين البيئة والاقتصاد والسياسة في بلد يعيش على خط التماس الدائم بين الندرة والابتكار.




