الرواشدة تكتب : (السلام الازرق).. السياسة الهادئة لاعادة تشكيل التفاعل في الشرق الاوسط عبر دبلوماسية المياه
"السلام الازرق":السياسة الهادئة لاعادة تشكيل التفاعل في الشرق الاوسط عبر دبلوماسية المياه
كتبت ريم الرواشدة
في منطقتنا- الشرق الأوسط - لا تتحرك السياسة دائمًا عبر القمم السياسية و بياناتها النارية، أحيانًا، تتقدم بخطوات هادئة عبر ملفات تبدو تقنية في ظاهرها، لكنها تحمل في جوهرها رهانات إستراتيجية عميقة، ولعل ملف المياه العابرة للحدود بات اليوم أحد أبرز هذه المساحات التي تعاد فيها صياغة قواعد التفاعل الإقليمي، لتتسلل السياسة بهدوء عبر أنابيب المياه وجداول الأنهار وتقارير التعاون التقني.
في التقرير الصادر عن مبادرة السلام الازرق للعام 2025 حول تطورات التعاون الثنائي والمتعدد بين الدول الأعضاء في في المبادرة، يكشف صورة مغايرة لما اعتادت عليه السرديات السياسية والإعلامية في المنطقة.
إذ أن دبلوماسية المياه أصبحت واحدة من أكثر أدوات التواصل الإقليمي مرونة وواقعية. فبينما تتعثر الحوارات السياسية الكبرى، تستمر اللقاءات الفنية وتبادل البيانات والمشاريع المشتركة في رسم خريطة مختلفة للتفاعل بين دول من المنطقة، تتباين في مصالحها وتحالفاتها.
قد يبدو هذا النوع من التعاون محدود التأثير للوهلة الأولى، لكنه في الواقع يفتح المجال أمام ما يمكن وصفه بـ”السياسة الهادئة” أي إدارة التنافس من دون صدام مباشر، وبناء مساحات تواصل لا تفرض التزامات سياسية ثقيلة أو تنازلات علنية، بل سياسة التراكم البطيء، حيث تبني الخطوات الصغيرة أرضية يمكن أن تقوم عليها تفاهمات أكبر في المستقبل.
فالمياه، بوصفها موردًا حيويًا ومشتركًا، تتيح للدول التحرك تحت مظلة الضرورة، حيث يصبح التعاون خيارًا عمليًا أكثر منه موقفًا سياسيًا.
الأهم أن هذا النوع من التعاون يعكس إدراكا متزايدًا بأن أمن المنطقة لم يعد يُقاس فقط بميزان القوة العسكرية أو التحالفات التقليدية، بل بقدرتها على إدارة الأزمات المشتركة مثل الجفاف وتغير المناخ وتهديدات الأمن الغذائي، وهو ما يحول المياه من ملف نزاعي محتمل إلى منصة لبناء اعتماد متبادل.
هنا تبرز أهمية مبادرة "السلام الأزرق"، وهي مبادرة إقليمية غير حكومية تُعد الأولى من نوعها في المنطقة، تقوم فكرتها على تحويل المياه من مصدر محتمل للصراع إلى أداة لتعزيز التعاون والسلام، عبر جمع خبراء المياه والأكاديميين وصناع القرار والإعلاميين ضمن منصة حوار تمتلكها دول المنطقة نفسها.
ومن خلال شراكات تمتد إلى العراق والأردن ولبنان وسوريا وتركيا وإيران، تسعى المبادرة إلى بناء حد أدنى من الاعتماد المتبادل، قائم على المصالح المشتركة لا على الاصطفافات السياسية. وفي منطقة تشهد مستويات عالية من عدم الثقة، يصبح مجرد استمرار الحوار-حتى وإن كان في إطار فني- إنجازًا بحد ذاته.
هذا الطابع الإقليمي يمنح المبادرة قدرًا من المصداقية والمرونة في آن واحد، ويجعلها قادرة على التحرك في مساحات قد يصعب على الأطر الرسمية الوصول إليها.
كما تعمل المبادرة على ربط ملف المياه بقضايا أوسع مثل أمن الغذاء والطاقة وحماية النظم البيئية في ظل تسارع تأثيرات التغير المناخي. وهذا الربط ليس تقنيًا فقط، بل يعكس تحولًا في التفكير السياسي نحو مفهوم الأمن الشامل، حيث تتقاطع التحديات البيئية مع الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي وحتى الأمني.
من المؤكد ، أن لا تغيّر دبلوماسية المياه خريطة التحالفات بين ليلة وضحاها، لكنها حتما تساهم في إعادة تشكيل البيئة التي تتحرك فيها هذه التحالفات، وربما يكون هذا النوع من “السياسة الهادئة” هو ما تحتاجه المنطقة فعلًا لبناء مستقبل أقل توترًا وأكثر واقعية.




