الرواشدة تكتب: بين الغرب و الشمال ... كيف تعيد المملكة رسم خريطة أمنها المائي؟
بين الغرب و الشمال ... كيف تعيد المملكة رسم خريطة أمنها المائي؟
كتبت – ريم الرواشدة
في ظل منطقة تعاني تصاعدا في التحديات السياسية والمناخية، بات الأمن المائي في المملكة أحد أهم ملفات الأمن القومي، وما شهدته الأشهر الأخيرة من رفض إسرائيل بيع الأردن كميات إضافية من المياه، بالتزامن مع المتغيرات السياسية في سوريا، يفرض على المملكة إعادة رسم استراتيجيتها المائية بما يقلل الاعتماد على الخارج ويعزز الاستقلال المائي.
غربا، شكل قرار دولة الكيان المحتل بعدم بيع الأردن الكميات الإضافية من المياه بأسعار مخفضة، رسالة واضحة بأن الموارد الاستراتيجية قد تتحول إلى أداة ضغط سياسي في أي وقت. ورغم أن الأردن يحتفظ بحقوقه المائية المنصوص عليها في معاهدة السلام، فإن التجربة أثبتت أن الاعتماد على كميات إضافية من خارج الحدود لا يمكن اعتباره أساسًا للأمن المائي، وهو ما كان يدركه السياسيون ممن تولوا مسؤولية ادارة قطاع المياه ، وأن أمن المياه يجب أن يبنى على مصادر وطنية مستدامة، لا على ترتيبات قد تتغير بتغير الظروف السياسية.
أما على الجهة الشمالية، تبدو الصورة مختلفة، فمع عودة مؤسسات الدولة السورية تدريجيًا واستئناف قنوات التواصل بين البلدين، تبرز فرصة- تسير ببطء شديد- لإعادة تفعيل التعاون في إدارة المياه المشتركة، خاصة في حوض نهر اليرموك الذي يمثل أحد أهم مصادر المياه السطحية للمملكة.
قبل نحو 29 يوما زار وزير المياه و الري رائد ابو السعود دمشق ضمن وفد حكومي، و أعتقد كان لها ثلاثة أهداف غير معلنة، منها إستعادة السيطرة على ملف اليرموك.
إذ أن نهر اليرموك كان تاريخياً أحد أهم مصادر المياه للمملكة، و الحرب السورية لم تساهم في إفشال التعاون المائي بين البلدين لانه لم يكن موجودا أصلا ، لكنها أظهرت وقائع جديدة على الأرض، وعمان تريد معرفة من يسيطر فعلياً على القرار المائي في الجنوب السوري، وهل يمكن إيجاد تفاهمات أكثر استقراراً.
إضافة الى أن الوفود الفنية ليست تقنية بالكامل، وعندما يذهب وزير المياه و الري فهو يجمع معلومات سياسية أيضا و الدولة تريد أن تعرف: هل تملك الحكومة السورية الجديدة القدرة على تنفيذ أي اتفاق؟ أم أن الدولة ما زالت في مرحلة إعادة التشكل؟ المياه هنا تصبح أداة لقياس قوة الدولة السورية أكثر من كونها ملف خدمات.
والسبب الثالث بناء نفوذ هادئ، إذ أن عمّان لا تملك أدوات نفوذ عسكرية أو مالية ضخمة في سوريا، لكنها تملك أوراقاً فنية واقتصادية، التعاون في المياه والطاقة والنقل يسمح للمملكة بأن تكون شريكاً ضرورياً في إعادة دمج سوريا إقليمياً، وهو ما يمنحه تأثيراً سياسياً أكبر من حجمه الجغرافي.
محليا ، لم تننتظر وزارة المياه و الري حدوث الأزمة، ، إذ أن الامور كانت واضحة تقريبا، غربا و شمالا، بل بدأت منذ العام الماضي بتنفيذ إجراءات احترازية، شملت إعادة تأهيل الآبار، وحفر آبار جديدة، وزيادة الاستفادة من المصادر غير التقليدية، إضافة إلى تكثيف حملات ضبط الاعتداءات على مصادر المياه، التي لا تكاد تخلو من نشرات الاخبار يوميا.
و بإنتظار إستكمال وزارة المياه والري لإجراءات الإغلاق المالي لمشروع الناقل الوطني المنتظرة في تموز الجاري، يبقى الآمن المائي من الداخل الحل الحقيقي، رغم أهمية العلاقات الإقليمية، إذ أن المياه ليست مجرد سلعة يمكن شراؤها أو استيرادها، بل هي ركيزة من ركائز السيادة الوطنية.
و بناء أمن مائي مستدام لا يتحقق بالمشروعات الكبرى وحدها، بل يحتاج إلى سياسات متكاملة، وإدارة كفؤة، واستثمارات طويلة الأمد تجعل الأردن أكثر قدرة على مواجهة أي متغيرات خارجية.




