القيسي يكتب: إشادات واسعة بخطاب الملك في الأمم المتحدة.. صوت الأردن يتردد في العالم
إشادات واسعة بخطاب الملك في الأمم المتحدة.. صوت الأردن يتردد في العالم
فراس القيسي
لم يكن خطاب جلالة الملك عبدالله الثاني أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في دورتها الحادية والثمانين، مجرد خطاب لدولة تخاطب العالم من على منبر دولي، بل كان تعبيرا مكثفا عن رؤية الأردن تجاه مرحلة سياسية وإنسانية بالغة التعقيد، تتزاحم فيها الحروب والأزمات وتتراجع فيها الثقة بقدرة المجتمع الدولي على إنتاج حلول عادلة ومستدامة.
وبحضور سمو الأمير الحسين بن عبدالله الثاني ولي العهد، حمل الخطاب لغة واضحة ومباشرة، جمعت بين قراءة المشهد الدولي، وتحديد الموقف الأردني، والدفاع عن القضايا التي يرى الأردن أنها تمس جوهر الأمن والاستقرار في المنطقة والعالم.
ولعل ما منح الخطاب زخمه وأهميته، هو أنه لم يتوقف عند حدود توصيف الأزمات، وإنما وضع المجتمع الدولي أمام مسؤولياته السياسية والأخلاقية، فالعالم، كما أكد جلالة الملك، يعيش أوقاتاً عصيبة، فيما تواجه الأمم المتحدة أزمات تهدد الثقة بدورها وقدرتها على التعامل مع النزاعات.
ومن هنا جاءت الرسالة الملكية باعتبارها دعوة إلى استعادة فاعلية العمل الدولي، وعدم السماح لتعدد الأزمات بأن يحول دون معالجة جذورها، أو يجعل بعض القضايا أقل أهمية من غيرها في ميزان الاهتمام الدولي.
وقد انعكس ذلك في إشادات واسعة بالخطاب، رسمياً وسياسياً وإعلامياً وشعبياً، داخل الأردن وخارجه، وفي تفاعل لافت مع مضامينه على منصات التواصل الاجتماعي.
وفي قلب الخطاب بقيت القضية الفلسطينية، كما كانت دائماً، في صدارة الرسالة الأردنية. فقد أعاد جلالة الملك التأكيد على أن السلام في المنطقة لن يتحقق من دون حل عادل للقضية الفلسطينية، وأن حل الدولتين هو الطريق الذي يضمن قيام الدولة الفلسطينية المستقلة ويمنح شعوب المنطقة فرصة حقيقية للخروج من دائرة الصراع.
ولم يكن هذا الموقف مجرد تأكيد سياسي على ثوابت معروفة، بل جاء في سياق تحذير واضح من أن استمرار حرمان الفلسطينيين من حقوقهم المشروعة سيبقي المنطقة أسيرة التوتر والعنف، وأن تجاهل أصل المشكلة لا يمكن أن يصنع سلاماً دائماً.
وفي الحديث عن القدس، أكد جلالة الملك أن الوصاية الهاشمية على المقدسات الإسلامية والمسيحية ليست عنواناً سياسياً عابراً، وإنما مسؤولية تاريخية ودينية يواصل الأردن القيام بها، انطلاقاً من دوره في حماية المقدسات والحفاظ على الوضع القانوني والتاريخي للمدينة المقدسة.
وفي هذه النقطة تحديداً، حمل الخطاب رسالة تتجاوز حدود الموقف الأردني لتضع أمام المجتمع الدولي مسؤولية حماية هوية القدس ومقدساتها، والحفاظ على التعددية الدينية وحقوق أتباع الديانات في مدينة تمثل جزءاً أساسياً من تاريخ المنطقة ووجدانها.
وفي موازاة القضية الفلسطينية والقدس، وضع جلالة الملك الأمن الوطني الأردني في إطاره الأشمل، باعتباره منظومة متكاملة لا يمكن فصل عناصرها عن بعضها.
فأمن الحدود، وحماية المياه، وصون السيادة، والدفاع عن المصالح الوطنية، ومواجهة التهديدات العابرة للحدود، كلها ملفات تتصل بصورة مباشرة بأمن الدولة واستقرارها.
وهذه الرسالة تعكس إدراك الأردن لموقعه الجيوسياسي، وللتحديات التي تحيط به، كما تؤكد أن الانفتاح على الحوار والدبلوماسية لا يعني التفريط بالثوابت أو المصالح الوطنية، بل يعني إدارة الخلافات والأزمات بعقل الدولة التي تعرف ما تريد وتحسن الدفاع عنه.
ولم يغفل الخطاب أزمات الإقليم الأخرى، من سوريا واليمن وليبيا إلى السودان، في تأكيد على أن استقرار المنطقة لا يمكن أن يتحقق بمعالجة أزمة واحدة وترك أزمات أخرى مفتوحة على الاحتمالات.
فقد دعا جلالة الملك إلى حلول سياسية تحفظ وحدة الدول وتصون مؤسساتها وتعيد الأمل إلى شعوبها، في رؤية تقوم على أن الحروب والانقسامات لا تنتج سوى مزيد من المعاناة والنزوح والفقر والتطرف، وأن المنطقة تحتاج إلى مسارات سياسية قادرة على نقلها من إدارة الأزمات إلى بناء الاستقرار.
ومن هنا جاءت ردود الفعل على الخطاب لتتجاوز حدود التفاعل التقليدي مع خطاب سياسي في مناسبة دولية؛ إذ برزت إشادات عربية ودولية، إلى جانب حضور واضح للخطاب في التغطيات الإعلامية والنقاشات الرقمية وحسابات التواصل الاجتماعي.
وقد تركز جانب كبير من هذا التفاعل على وضوح الموقف الأردني من القضية الفلسطينية، والقدس، وضرورة احترام القانون الدولي، إلى جانب الرسائل المتعلقة بأمن الأردن وسيادته.
وبينما تتعدد القراءات السياسية للخطاب، فإن اللافت أن الرسالة الأردنية استطاعت أن تحجز مساحة واسعة من النقاش، وأن تجعل من الموقف الأردني جزءاً حاضراً في الحوار الدولي حول مستقبل المنطقة.
في المحصلة، بدا خطاب جلالة الملك أمام الأمم المتحدة كأنه يعيد ترتيب المشهد من زاوية أردنية واضحة: لا سلام من دون عدالة، ولا استقرار من دون معالجة جذور الصراعات، ولا نظام دولي فاعل من دون احترام القانون الدولي، ولا دولة تستطيع حماية مستقبلها من دون صون أمنها وسيادتها ومصالحها.
ولهذا جاءت الإشادات بالخطاب مرتبطة في جوهرها بوضوح الرسالة وثبات الموقف؛ رسالة أردنية تقول إن الدبلوماسية خيار، والسلام هدف، والحوار ضرورة، لكن الحقوق والثوابت والسيادة ليست أوراقاً قابلة للمساومة.
ومن على منبر الأمم المتحدة، كان الأردن يتحدث بلغة يعرفها العالم جيداً: لغة دولة صغيرة في الجغرافيا، لكنها حاضرة بثقل موقفها في قضايا أكبر من حدودها.




