البقور يكتب: الأحزاب… لا (قد) يا معالي الوزير
الأحزاب… لا (قد) يا معالي الوزير
بقلم د.فوزان العبادي
في الوقت الذي تتحدث فيه الدولة الأردنية منذ سنوات عن مشروع التحديث السياسي بوصفه المدخل الحقيقي للإصلاح لا يزال الخطاب الحكومي في كثير من الأحيان يكشف عن فجوة عميقة بين الشعارات والممارسة.وآخر ما سمعناه في هذا السياق،ما ورد على لسان وزير الإدارة المحلية خلال أحد لقاءاته الإعلامية حول قانون الإدارة المحلية الجديد حين تحدث بثقة عن حوارات جرت مع كتل نيابية وكتل مستقلة، وأخرى ستجري مع مؤسسات المجتمع المدني،إضافة إلى نشر مشروع القانون على ديوان الرأي والتشريع لأخذ الملاحظات والآراء حوله لكنه عندما وصل إلى الأحزاب السياسية قال:“قد يكون هناك حوار مع الأحزاب”.
هذه الـ”قد” ليست تفصيلا لغويا عابرا بل تعبير سياسي يحمل دلالات خطيرة ومقلقة.فحين تصبح الأحزاب،وهي الركيزة الأساسية في مشروع التحديث السياسي،مجرد احتمال أو خيار مؤجل أو طرف قد تتم استشارته وقد لا تتم،فإننا أمام خلل حقيقي في فهم أولويات الدولة ومسار الإصلاح.
كيف يمكن الحديث عن تحديث سياسي دون أن تكون الأحزاب في قلب المشهد؟وكيف يمكن لحكومة تقول إنها تؤمن بالعمل الحزبي أن تتعامل مع الأحزاب بهذه البرودة وهذا التردد؟بل كيف تصبح الكتل المؤقتة أو التجمعات المستقلة أكثر حضورا وتأثيرا في صناعة التشريعات من الأحزاب التي يفترض أن الدستور والتشريعات الجديدة جاءت أصلا لتعزيز دورها وتمكينها؟ ولا يمكن هنا تجاهل الرسائل السلبية التي وصلت للأحزاب خلال التعيينات الأخيرة في المجالس المحلية،حين جرى استثناء عدد كبير من الأحزاب من تلك التعيينات،وكأن المشاركة الحزبية لا تزال حتى اللحظة أمرا غير مرحب به بصورة حقيقية.وهذا بحد ذاته يعكس تناقضا واضحا بين خطاب التحديث السياسي وبين الممارسة على أرض الواقع،ويعيد إنتاج حالة الإحباط لدى الأحزاب والقوى السياسية التي يفترض أن تكون شريكا أساسيا في صناعة القرار المحلي والوطني.
إن أخطر ما في المشهد اليوم ليس فقط تهميش الأحزاب،بل تكريس ثقافة سياسية ترى في الحزب عبئا لا شريكا،وترى في الحوار مع الأحزاب أمرا ثانويا يمكن تأجيله أو تجاوزه.وهذا يناقض تماما التوجيهات الملكية السامية المتكررة التي أكدت أن الوصول إلى حكومات برلمانية حزبية هو الهدف النهائي لمسار التحديث السياسي.
إذا كانت الحكومة جادة فعلا في بناء حياة سياسية حديثة،فإن أول اختبار لصدق هذه الجدية يبدأ من احترام الأحزاب والتعامل معها باعتبارها شريكا وطنيا أساسيا لا مجرد ديكور سياسي.أما الاستمرار في إدارة الملفات العامة بعقلية الالتفاف على الأحزاب أو وضعها في آخر سلم الأولويات،فلن يؤدي إلا إلى تعميق أزمة الثقة بين الشارع والعمل الحزبي. إن الحوار حول قانون الإدارة المحلية ليس قضية فنية أو إجرائية فقط،بل قضية سياسية بامتياز،لأنه يتعلق بشكل الدولة المحلية وآليات المشاركة الشعبية والتمثيل السياسي.وبالتالي فإن استبعاد الأحزاب أو التعامل معها بمنطق قد( نتحاور وقد لا نتحاور)يمثل انتقاصا واضحا من دورها الوطني والسياسي. ما نحتاجه اليوم ليس خطابا إعلاميا يتحدث عن التحديث السياسي،بل ممارسة حقيقية تؤمن بأن الأحزاب ليست هامشا في الدولة،وإنما أساس من أسسها الحديثة.والأحزاب يجب أن تكون أولا في أي حوار وطني يتعلق بالتشريعات السياسية والإدارية،لا أن تأتي في ذيل القائمة،ولا أن يتم الحديث عنها بلغة الاحتمال والتقليل. فالدول التي تحترم مشروعها الإصلاحي تبدأ بالأحزاب…لا تتذكرها على سبيل المجاملة السياسية.
تنويه قانوني: جميع الآراء والأفكار الواردة في هذا المقال تعبّر عن وجهة نظر كاتبه فقط، ولا تمثّل بالضرورة رأي الموقع أو الناشر أو هيئة التحرير، ويُخلي الموقع مسؤوليته القانونية عن أي تبعات قد تنشأ عن محتوى هذا المقال.




